السودان.. الألم المستمر

تتسبب التطورات الجارية في السودان سواء كانت في المركز أو في الأطراف بألم شديد في ظل ضيق أفق العملية السياسية، وسوء تصرف القائمين عليها. تتعدد وسائل القمع في المركز من قتل واعتقال تعسفي وتكميم للأفواه، وما يزيد الألم هو مجريات الأمور في الاطراف من معارك ونزاعات جديدة بين الحلفاء القدامى مما يسبب المزيد من المعاناة للأبرياء. المسببات كثيرة أما الجاني الرئيسي فهو النظام الحالي والضحية دوما هي الشعب. أبلغ ما يمكن أن توصف به الأحوال في السودان حاليا بأنها تمر بنفق مظلم يصعب ايجاد ضوء في آخره.

على مستوى المركز، قتل علي أبّكر موسى الطالب بالسنة الثالثة في كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم خلال المظاهرات التي نظمها الطلبة احتجاجا على تدهور الأوضاع في دارفور. لقي علي حتفه برصاصة في الصدر داخل الحرم الجامعي في تواصل لجرائم قوات الأمن البشعة بحق الشباب العزل حيث أن دماء أكثر من مئتين شهيد سالت خلال تظاهرات سبتمبر من العام الماضي في الخرطوم ومدني. وبينما لم تجف تلك الدماء بعد إذا بالنظام يلحقها دماء جديدة، كما قامت قوات الأمن والشرطة باعتقال أكثر من مئة شخص في احداث جامعة الخرطوم.

لا يزال الكثير من الشباب والسياسين السودانين قابعون في غياهب سجون نظام الانقاذ ومنهم الشاب تاج الدين عرجة الذي اعتقل لمقاطعته للقاء للبشير  والرئيس التشادي إدريس دبي وتحميله لهما مسؤولية الفظائع التي ارتكتبت ولا زالت ترتكب بحق أهالي دارفور. كان آخر ظهور لعرجة في هذا اللقاء الرئاسي المشؤوم في ديسمبر من العام الماضي ليظل معتقلاً دون ان يقدم للمحاكمة. لم يكتفي النظام السوداني بالقتل والاعتقالات فحسب، فقد قام بتكميم افواه الاعلام المقروء عن طريق منع ومصادرة وايقاف عدة صحف مثل التغيير والجريدة والحرة، إضافة لمنع بعض الكتاب من الكتابة.

القمع في ازدياد والتدهور الاقتصادي وضيق المعيشة أيضا في ازدياد حيث وصلت قيمة الجنيه السوداني في السوق السوداء الى 8.25 مقابل الدولار الأمريكي. ومما يزيد الطين بلة وقف البنوك السعودية لمعاملاتها مع البنوك السودانية في تشديد للحصار الاقتصادي الذي يعاني منه السودان. المسؤول الأول والأخير عن هذا الحصار هو نظام البشير بسبب السوء في ادارة علاقاته الخارجية والرعونة في اختيار حلفائه.

وبالرغم من استمرار القمع والتدهور الاقتصادي، استجابت بعض قوى المعارضة للنداء الذي أطلقه البشير في أواخر شهر يناير من هذا العام في خطاب “الوثبة” الغامض ومنها أحزاب الأمة بقيادة الصادق المهدي والمؤتمر الشعبي بقيادة الترابي الذي التقى معه البشير اليوم. لا أدري عن ماذا ولماذا يتحاور هؤلاء مع النظام؟ وما هو محتوى الحوار؟ كيف نقتل الطلبة؟ بالرصاص المطاطي أم الحي؟ في أي سجن نزج بالشباب؟ أي صحيفة يجب أن نحجب؟  لطالما عودنا المهدي على اهتزاز مواقفه وضعفها، ولكن بعد هذا اللقاء المنفرد الأول بين البشير بالترابي منذ المفاصلة بينهم ستتعزز تكهنات وحدة قريبة بين صفوف الحركة الاسلامية السودانية ولم للشمل. إن حدث ذلك فانه سيكون تغييراً مفاجئاً في موقف الترابي والذي لا يمكن تفسيره الا بضغوط تمارس عليه من الاسلام السياسي في الخارج في ظل عزل الاسلاميين من الحكم في مصر والتضييق على الاخوان المسلمين في الخليج ومقاطعة عدد من دول الخليج لقطر التي تدعم الإخوان.

أما بخصوص الأطراف، فالتطورات لا تبشر بخير أبدا حيث قالت قوات حركة تحرير السودان – جناح اركو مناوي –  أنها استولت على مليط والتي تبعد 50 كيلومترا من الفاشر-عاصمة ولاية شمال دافور قبل بيان الجيش مساء اليوم الذي قال فيه انه طردها منها. ودب نزاع جديد بين الحكومة والمليشيات التي كانت موالية لها في دارفور بقيادة موسى هلال والتي هاجمت قوات الاحتياط المركزي أواخر الشهر المنصرم مما أدى الى مقتل عدد من أفرادها. من المؤسف حقا أن نتيجة ذلك هو المزيد من القتل والتهجير والنزوح للأهالي في دارفور وهذا ما حدث بالفعل حيث نزح ما يقارب  نصف مليون شخص خلال عام وفقا لتقرير صدر مؤخرا لمنظمة العفو الدولية. يبدو السلام بعيد المنال في ظل تعثر مفاوضات اديس أبابا من حين الى آخر بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال.

الحرب الدائرة في الاطراف تستنزف الارواح وتسبب المعاناة الشديدة لاهالى هذه المناطق. القمع في المركز مستمر طالما بقي هذا النظام مسيطرا على مخالب السلطة والتي لن يتنازل عنها او يشاركها مشاركة فعلية مع احد سواء عن طريق حوار او اتفاق. يخبرنا التاريخ السوداني الحديث بأن من يأتي الى السلطة بانقلاب عسكري لا يذهب منها الا بثورة شعبية. ارهاصات ثورة سلمية شعبية تنطلق من المركز تنهي القمع فيه وتساعد في بناء سلام دائم موجودة، ولكن يبقى السؤال: متى؟    

Posted in Uncategorized | Tagged | 1 Comment

قرارات رفع الدعم… الحراك المطلوب

شهدت مدينة ود مدني احتجاجات عنيفة بالأمس أسفرت عن استشهاد المواطن أحمد محمد علي 23 عاما. تواصلت الاحتجاجات اليوم وامتدت الى امدرمان ومدن أخرى في السودان رافضة الزيادة الكبيرة في اسعار الوقود والمحروقات ومطالبة برحيل النظام. كما اعتقلت القوات الامنية أكثرمن 103 متظاهر وناشط على خلفية هذه الاحتجاجات.  لا يسعني في بداية هذه المدونة التي ستتناول الحاجة الى تشكل حركة سياسية جديدة تعمل على تنظيم وقيادة وتقوية الحراك الحالي أو المستقبلي الا أن أترحم على روح الشهيد وأطالب بمعاقبة قتلته وأطالب بالافراج عن المعتقلين و أن أؤيد مطالب المتظاهرين السلميين.

من المؤسف حقا أن هذه الزيادة الهائلة في الأسعار التي أعلن عنها الرئيس السوداني في مؤتمر صحفي أول أمس سبقتها لقاءات مع قيادات أحزاب – تقول عن نفسها معارضة –  أبرزها لقاء البشير ورئيس حزب الأمة “المعارض” السيد الصادق المهدي. ان هذا اللقاء والتنسيق بين بعض أحزاب المعارضة والحكومة ما هو الا امتداد لفشل المعارضة الحزبية في تمثيل الشارع السوداني الرافض لسياسات نظام البشير ودليل على بعد هذه الأحزاب عن أغلب فئات الشعب. أعطت قيادات هذه الأحزاب ما عندها وفشلت فشلا ذريعا في تغيير الواقع السوداني المرير. كما وصل بها النفاق والتواطؤ حد تعين ابناء قادتها في مناصب رفيعة في القصر الرئاسي كمساعدين للرئيس عمر البشير مدعين زورا ان لا علاقة لهم بهذه المناصب الرئاسية. وهذه الاحزاب تقوم على أساس طائفي لا يراجع فيها رأي الامام أو الزعيم الذي ورث القيادة من أبيه واحتفظ بها لعقود طويلة من الزمن مما يقدح في ايمانها بمباديء الديموقراطية التي تتشدق بها.

فشل الأحزاب السياسية وضعف الحركات السياسية غير الحزبية – باستثناء حركة قرفنا صاحبت الجهود المقدرة محليا ودوليا – يشكل فراغا كبيرا في الساحة السياسية. هذه الجموع التي خرجت بالأمس واليوم خرجت بشكل عفوي غير منظم بعد أن طفح بها الكيل من سياسات نظام البشير.

حتى يكتسب الحراك الشعبي الحالي القوة والتأثير اللازمين، عليه أن يتحد ويعبر بشكل واضح وصريح عن مطالب المتظاهرين. أظن أن أفضل طريقة للوحدة والتعبير الناجح عن المطالب الشعبية هو تشكيل حركة سياسية جديدة تقود الاحتجاجات الحالية الى تحقيق هذه المطالب سواء كان النجاح نجاحا فوريا أو مستقبليا. اذا نجحت الحركة السياسية الجديدة في كسب زخم شبعي فانها ستزيد من الوعي السياسي لفئات الشعب كما ستشجع الاخرين على الانضمام لركب المحتجين المناوئين للنظام السوداني. بالاضافة الى ذلك، يمكن لقيادة الحركة السياسية الجديدة أن تخفف من بعد الممارسات الخاطئة التي شهدتها مظاهرات الأمس واليوم من حرق وتخريب محدودين لبعض الممتلكات والمنشئات.

ولكن السؤال الرئيس هو كيف يمكن لهذه الحركة السياسية أن تكسب ذلك الزخم الشعبي الكبير؟

في رأيي المتواضع يمكن أن يكتسب هذا الزخم من خلال تبني المفاهيم التالية:

– أن تتأسس الحركة الجديدة من قيادات شابة تتمتع بالكفاءة والقدرة على التنظيم الناجح أسوة بحركتي تمرد و6 أبريل المصريتين.

– التركيز على المطالب الشعبية الحالية من رفض للغلاء و قرارات رفع الدعم عن المحروقات بجانب التأكيد على المطالب المعيشية الأخرى.

– تنويع قاعدة المشاركة في الحركة الجديدة بحيث تستوعب جميع فئات الشعب بمختلف انتماءاته العرقية والفكرية والدينية.

– الادانة الواضحة لكل المتواطئين مع النظام من أحزاب المعارضة والشخصيات الأخرى المتورطة في ما آل اليه حال البلاد والعباد.

– التأكيد على سلمية الحراك ورفض العنف والعمل المسلح من حيث المبدأ مع الاعتماد على العمل الوطني الداخلي البحت.

– التضامن التام مع سكان المناطق المتضررة من الحروب الأهلية.

اذا تشكلت الحركة ونجحت في مساعدة الشعب على تغيير النظام الحالي فانها ستلعب دورا مهما في مرحلة ما بعد التغيير، اما اذا تأخر انجاز التغيير المنشود فسيساعد التنظيم الجديد في مواصلة الحراك السياسي ورفع الوعي السياسي حتى نصل الى الهدف.

Posted in Uncategorized | 1 Comment

جبال النوبة: أزمة انسانية أخرى في السودان

بثت قناة العربية الاسبوع الماضي وثائقي بعنوان “الرعب في السودان” ينقل تداعيات الحرب الأهلية على سكان منطقة جبال النوبة في السودان. تراوحت ردود فعل الشباب السوداني في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” بين التعاطف التام مع أهالي هذه المنطقة  والإنكار التام واتهام قناة العربية بفبركة الفيديو بالرغم من أن الوثائقي من انتاج القناة الرابعة البريطانية وقام باعداده صحافي بريطاني اسمه ايدن هارتلي. ستناقش هذه المدونة الوضع الانساني المتردي لأهالي مناطق جبال النوبة وجنوب كردفان والنيل الأزرق وستبتعد عن الخوض في التفاصيل السياسية لنشوء الحرب الأهلية وأسبابها. كما ستتطرق بشكل بسيط لنظرة المجتمع “الخرطومي”لأزمة الحرب الأهلية.

وثائقي “الرعب في السودان” ليس التقرير أو الوثائقي الأول من نوعه حيث بثت العديد من القنوات تقارير ووثائقيات – بثت الجزيرة الانجليزية وثائقي بعنوان ” داخل السودان – جنوب كرفان: أمر غير منتهي” – تتحدث عن قصف متكرر تقوم به طائرات الانتونوف التابعة للجيش السوداني لمناطق جبال النوبة. التمرد المسلح لا يبرر ابدا هذا القصف العشوائي الذي لا يفرق بين المدنيين السلميين والمتمردين المسلحين. من يصدق أن حكومة الخرطوم التي تعاني اقصاديا تستخدم طائرات من غير طيار في عمليات القصف؟! كما تقوم القوات الحكومية والميليشات التابعة لها بأعمال أكثر وحشية حيث تتبع سياسة ما يسمى بالأرض المحروقة. تشمل هذه السياسة اقتحام القوات الحكومية وميليشياتها القرى والمدن والقيام بإحراق وتدمير ونهب ممتلكات المواطنين دون الأخذ بعين الاعتبار بأنه لا ذنب لهم في الصراع المسلح.

قتل الكثيرمن الأطفال والنساء والشيوخ والرجال المدنين العزل جراء هذه الوسائل الإجرامية التي تتبعها الحكومة السوادنية كما تسببت باصابات بليغة كقطع الأطراف وفقدان البصر، ناهيك عن التوابع النفسية للحرب كفقدان النطق والتبول اللا ارادي والخوف والاكتئاب وغيرهم. كما تسبب القصف والاعتداء المتكرر بتهجير السكان من قراهم ومدنهم للعيش في الكهوف أو كما تسمّى “الكراكير” بين الصخور والجبال. ما إن يسمع الاطفال أصوات الأنتونوف اللعينة حتى يركضوا بسرعة للاختباء في أءمن نقطة في “الكركور”. كما فقد هؤلاء الأهالي سبل عيشهم في زرع المحاصيل وأصبحوا يعانون من الجوع وفقدان الرعاية الصحية والتعليم وكل سبل العيش الإنساني.

لم تكتف الحكومة السودانية بتعذيب المدنيين بالقصف والتدمير العشوائي فحسب، بل منعت حتى رحمة منظمات الإغاثة الإنسانية من الوصول لهذه المناطق لكي توفر للمدنيين أبسط ما يمكن من مستلزمات أساسية كخيم وأغطية وطعام. لا يملك هؤلاء إلا الاختباء بين الصخور والبحث في العراء عن ما يمكن أن يسد البطون الفارغة.

كيف ينظر مواطنو الخرطوم إلى اخوانهم في جبال النوبة؟ هل يتذكرون معاناتهم؟ هل يسعون الى إيقافها؟وما هو الدور الذي يقوم به مواطنو المركز لمنع تكرار مأساة دارفور؟

بالرغم من أن أهالي جبال النوبة والنيل الأزرق وجنوب كردفان هم مواطنون سودانيون لا فرق بينهم وبين سكان الخرطوم في الحقوق والواجبات إلا أن أغلب مواطنو الخرطوم ببساطة لا يتذكروهم إلا اذا وصل المتمردون الى المدن القريبة من الخرطوم، ولكن للأسف تذكر سلبي مستجيب لسموم العنصرية والحقد التي تبثها الحكومة عن طريق وسائل الاعلام كصحيفة الانتباهة (صحيفة الخال الرئاسي). وتسيطر عليهم أوهام نظريات المؤامرة الأمريكية الصهونية ويجدون التبرير في دعم حكومة جنوب السودان لمتمردين الجبهة الثورية. رأيي الشخصي هو رفض التمرد المسلح رفضا تاما نظرا لما يصاحبه من ويلات ومعاناة للأبرياء وأرى الحل في المعارضة السلمية والتغيير الشامل للنظام الحالي، ولكن هل يعني هذا السكوت عن الفظائع التي ترتكب بحق المدنيين العزل؟ بالطبع لا.

أحد أهالي جبال النوبة يلقي باللوم في وثائقي “الرعب في السودان” على الخرطوم دون تحديد للجهة المعنية بالاتهام. بصراحة، أرى أنه محقا حيث أن سكان الخرطوم هم من لهم القدرة على إحداث تغيير سلمي شامل في الخرطوم ووقف الحروب والدمار في جميع أنحاء السودان. أو على الأقل تذكر معاناة هؤلاء الأبرياء والعمل على تخفيفها عن طريق المطالبة بالسماح لمنظمات الاغاثة بدخول هذه المناطق.

 من الجيد أن يتعاطف مواطنو الخرطوم مع الشعب السوري والفلسطيني في محنهم ضد الظلم ولكن على هذا التعاطف والتضامن أن يشمل إخوانهم في الوطن وأن يلي هذا التعاطف أية أفعال ممكنة. وفي الختام، تحية لموقع “عاين” وهو موقع  اخباري سوداني متخصص في نقل ما يحدث في مناطق الحروب من معاناة وجرائم.

شاهد وثائقي الرعب في السودان

   ووثائقي داخل السودان – جنوب كرفان: أمر غير منتهي

 

Posted in Uncategorized | 1 Comment